ابن عربي

182

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

بينما رجل يطوف بالبيت إذ برق له ساعد امرأة فوضع ساعده على ساعدها يتلذّذ به ، فلصقت ساعداهما ، فخرجا من الحرم ملتصقين حياء لما حلّ بهما ، فقال لهما بعض العلماء : ارجعا إلى الموضع الذي أصابكما هذا فيه ، فتوبا إلى اللّه ، واعزما أن لا تعودا ، فرجعا فعاهدا اللّه ، فخلّى عنهما . ومن باب تعجيل العقوبة ، ما كان يحدثنا به عبد اللّه بن العاص الباجي المالكي في مناقب مالك وفضله في العلم ، أن امرأة غسلت امرأة ماتت ، فلما غسلت فرجها ضربت الغاسلة بيدها على فرج الميتة ، وقالت : ما كان أزناك من فرج ، فلصقت يدها بالفرج ، فسئل علماء المدينة في ذلك ، ومالك صغير طالب للعلم ، فاختلف علماء المدينة بين تغليب حرمة الميت على الحي ، وحرمة الحي على الميت ، فمن قائل تقطع يدها ، ومن قائل يقطع الفرج ، ومالك حاضر ، فقال : أرى إن سمعتم أن تجلد حدّ القذف ، فإنه يخلى عنها ، قال : فجلدت ثمانين جلدة ، فانطلقت يدها ، فمن هنالك علم فضل مالك في العلم . روينا من حديث ابن باكويه ، عن أبي الفضل القطان ، عن جعفر الخلدي قال : سمعت الجنيد يقول : حججت على الوحدة فجاورت بمكة ، فكنت إذا جن الليل دخلت أطوف فإذا بجارية تطوف وهي تقول : أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنّبا إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكره * وإن رمت قربا من حبيبي تقرّبا ويبدو فأفتى ثم أحيا بذكره * ويسعدني حتى ألذّ وأطربا قال : فقلت لها : يا جارية ، أما تتقين اللّه في هذا المكان ؟ تتكلمين بهذا الكلام ، فالتفتت إليّ وقالت : يا جنيد : لولا التقى لم ترني * أهجر طيب الوسن إن التقى شرّدني * كما ترى عن وطني أفرّ من وجدي به * فحبّه هيّمني ثم قالت : يا جنيد ، تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ قلت : أطوف بالبيت ، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : سبحانك ما أعظم شأنك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم أنشأت تقول : يطوفون بالأحجار يبغون قربه * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر وتاهوا ولم يدروا من النيّة من هم * وحلّوا محل القرب في باطن الفكر فلو صدقوا في الودّ غابت صفاتهم * وقامت صفات الودّ للحق في الذكر